الشيخ محمد علي طه الدرة
336
تفسير القرآن الكريم واعرابه وبيانه
الإخبار بالغيب ، والحكمة من الإخبار بما يقول قبل وقوعه توطين نفوس المؤمنين على الصبر ؛ إذ المفاجأة بالمكروه أشد ، وإعداد الجواب قبل الحاجة إليه أقطع للخصم ، وأبلغ في الحجة ، فقبل الرمي يراش السهم . وهذه الآية متقدّمة في نظم القرآن ، متأخرة في النزول عن الآية التي أشرت إليها ، ويعزون هذا إلى ابن عباس - رضي اللّه عنهما - وإلى غيره . فمعنى : سَيَقُولُ . . . إلخ : أنّهم يستمرّون على هذا القول ، وإن كانوا قد قالوه . وحكمة الاستقبال : أنهم كما قالوا ذلك في الماضي ، منهم من يقوله أيضا في المستقبل . انتهى ملخصا من الجمل . هذا ؛ و السُّفَهاءُ جمع : سفيه ، وهو الجاهل ، ضعيف الرأي ، قليل المعرفة بالمنافع والمضار . وأصل السّفه : الخفة ، والرّقة ، من قولهم : ثوب سفيه : إذا كان خفيف النّسج ، والمراد : اليهود ، والمنافقون . ما وَلَّاهُمْ : ما صرفهم . عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كانُوا عَلَيْها : التي كانوا يتوجهون إليها في صلاتهم ، وهي بيت المقدس . قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ : أي جميع جهاتها فهي ملك للّه تعالى يتصرف فيها كيف يشاء . يَهْدِي : يوجه ، ويدل ، ويرشد . مَنْ يَشاءُ : هدايته ، وتوفيقه . إِلى صِراطٍ : طريق . مُسْتَقِيمٍ : لا اعوجاج فيه ، وانظر سورة ( الفاتحة ) ؛ تجد ما يسرك ، ويثلج صدرك . هذا ؛ وخرّج البخاري - رحمه اللّه تعالى - عن البراء بن عازب - رضي اللّه عنه - : أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم صلّى إلى بيت المقدس ستة عشر ، أو سبعة عشر شهرا ، وكان يعجبه أن تكون قبلته قبل البيت ، وأنه أول صلاة صلاها - أي : إلى الكعبة - العصر ، وصلى معه قوم ، فخرج رجل ممّن كان صلى مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، فمرّ على أهل المسجد ، وهم راكعون ، فقال : أشهد باللّه ، لقد صليت مع النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قبل مكة ، فداروا ، كما هم قبل البيت ففي هذه الرواية كانت الصلاة صلاة العصر ، وفي رواية مالك : صلاة الصبح ، وقيل : صلاة الظهر . والمراد بأهل المسجد الذين مرّ عليهم الرّجل : أهل مسجد قباء . هذا ؛ وقيل : نزل ذلك على النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في مسجد بني سلمة ، وهو في صلاة الظهر بعد ركعتين منها ، فتحول في الصلاة ، فسمّي ذلك المسجد مسجد القبلتين . وكان التحوّل إلى الكعبة قبل موقعة بدر . هذا واختلف في اتجاه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في صلاته قبل الهجرة ، فقالت طائفة : إلى بيت المقدس ، وبالمدينة ستة عشر شهرا ، ثم صرفه اللّه تعالى : إلى الكعبة . قاله ابن عباس رضي اللّه عنهما . وقال آخرون : أول ما فرضت عليه الصّلاة إلى الكعبة ، فلمّا هاجر ؛ أمر بالتوّجه إلى بيت المقدس ، ثمّ صرفه اللّه إلى الكعبة ، قال أبو عمر : وهذا أصح القولين عندي . وقال أبو حاتم البستي : صلّى المسلمون إلى بيت المقدس سبعة عشر شهرا وثلاثة أيام سواء ، وذلك : أنّ قدومه المدينة كان يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الأول ،